فوائد غض البصر

الموضوع في 'قلب الشريعة الإسلامية' بواسطة amani, بتاريخ ‏18 ديسمبر 2010.

مشاركة هذه الصفحة

  1. amani

    • مشرفة أقسام الأسرة الجزائرية
    amani
    غير متصل
    عضو منذ: ‏7 سبتمبر 2010
    عدد المشاركات: 4,325
    عدد المعجبين: 121
    الوظيفة: طالبة
    مكان الإقامة: الهامل
    فوائد غض البصر
    الحمد لله والصلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
    فهذه فوائد غض البصر تذكرة لنفسي وأخواتي من كلام الإمام
    محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي
    في كتابه المنيف: «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب»
    قال رحمه الله تعالى: ( الْمَقَامُ الأَوَّلُ ) فِي فَوَائِدِ غَضِّ الْبَصَرِ
    (
    إحْدَاهَا ) تَخْلِيصُ الْقَلْبِ مِنْ الْحَسْرَةِ فَإِنَّ مَنْ أَطْلَقَ نَظَرَهُ دَامَتْ حَسْرَتُهُ ، فَأَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى الْقَلْبِ إرْسَالُ الْبَصَرِ ، فَإِنَّهُ يُرِيهِ مَا لا سَبِيلَ إلَى وُصُولِهِ وَلا صَبْرَ لَهُ عَنْهُ ، وَذَلِكَ غَايَةُ الأَلَمِ .
    قَالَ الْفَرَزْدَقُ :
    تَزَوَّدَ مِنْهَا نَظْرَةً لَمْ تَدَعْ لَهُ فُؤَادًا وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَا قَدْ تَزَوَّدَا

    فَلَمْ أَرَ مَقْتُولا وَلَمْ أَرَ قَاتِلا بِغَيْرِ سِلاحِ مِثْلَهَا حِينَ أَقْصِدَا

    وَقَالَ آخَرُ :
    وَمَنْ كَانَ يُؤْتَى مِنْ عَدُوٍّ وَحَاسِدٍ فَإِنِّي مِنْ عَيْنِي أُتِيت وَمِنْ قَلْبِي
    هُمَا اعْتَوَرَانِي نَظْرَةً ثُمَّ فِكْرَةً فَمَا أَبْقَيَا لِي مِنْ رُقَادٍ وَلا لُبِّ
    وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ :
    مُتَيَّمٌ يَرْعَى نُجُومَ الدُّجَى يَبْكِي عَلَيْهِ رَحْمَةً عَاذِلُهْ

    عَيْنِي أَشَاطَتْ بِدَمِي فِي الْهَوَى فَابْكُوا قَتِيلا بَعْضُهُ قَاتِلُهْ
    وَلابْنِ الْقَيِّمِ :
    أَلَمْ أَقُلْ لَك لا تَسْرِقْ مَلاحِظَهُ فَسَارِقُ اللَّحْظِ لا يَنْجُو مِنْ الدَّرَكِ
    نَصَبْت طَرْفِي لَهُ لَمَّا بَدَا شَرَكًا فَكَانَ قَلْبِي أَوْلَى مِنْهُ بِالشَّرَك
    (
    الثَّانِيَةُ ) أَنَّ غَضَّ الطَّرْفِ يُورِثُ الْقَلْبَ نُورًا وَإِشْرَاقًا يَظْهَرُ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْوَجْهِ وَفِي الْجَوَارِحِ ، كَمَا أَنَّ إطْلاقَ الْبَصَرِ يُورِثُ ذَلِكَ ظُلْمَةً وَكَآبَةً .
    قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ وَنُزْهَةِ الْمُشْتَاقِينَ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ:« وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ آيَةَ النُّورِ فِي قَوْلِهِ
    (
    اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) عَقِبَ قَوْلِهِ :(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
    وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ( النَّظَرُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ ) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ( فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوْرَثَ اللَّهُ قَلْبَهُ نُورًا ) .
    (
    الثَّالِثَةُ ) أَنَّهُ يُورَثُ صِحَّةَ الْفِرَاسَةِ فَإِنَّهَا مِنْ النُّورِ وَثَمَرَاتِهِ ، فَإِذَا اسْتَنَارَ الْقَلْبُ صَحَّتْ الْفِرَاسَةُ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ تَظْهَرُ فِيهَا الْمَعْلُومَاتُ كَمَا هِيَ ، وَالنَّظَرُ بِمَنْزِلَةِ التَّنَفُّسِ فِيهَا ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْعَبْدُ نَظَرَهُ تَنَفَّسَتْ الصُّعَدَاءَ فِي مِرْآةِ قَلْبِهِ فَطَمَسَتْ نُورَهَا، كَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ :
    مِرْآةُ قَلْبِك لا تُرِيك صَلاحَهُ وَالنَّفْسُ فِيهَا دَائِمًا تَتَنَفَّسُ
    وَقَالَ شُجَاعٌ الْكَرْمَانِيُّ رحمه الله تعالى : «مَنْ عَمَّرَ ظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ ، وَبَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ ، وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَحَارِمِ ، وَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَأَكَلَ مِنْ الْحَلالِ ، لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ».
    وَكَانَ شُجَاعًا لا تُخْطِئُ لَهُ فِرَاسَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي الْعَبْدَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ ، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَحَارِمِ عَوَّضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إطْلاقَ نُورِ بَصِيرَتِهِ ، فَلَمَّا حَبَسَ بَصَرَهُ لَهُ تَعَالَى ، أَطْلَقَ لَهُ بَصِيرَتَهُ جَزَاءً وِفَاقًا.
    (
    الرَّابِعَةُ ) أَنَّهُ يَفْتَحُ لَهُ طُرُقَ الْعِلْمِ وَأَبْوَابَهُ ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ أَسْبَابَهُ وَذَلِكَ سَبَبُ نُورِ الْقَلْبِ ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَنَارَ ظَهَرَتْ فِيهِ حَقَائِقُ الْمَعْلُومَاتِ، وَانْكَشَفَ لَهُ بِسُرْعَةٍ ، وَنَفَذَ مِنْ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ .
    وَمَنْ أَرْسَلَ بَصَرَهُ تَكَدَّرَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ ، وَأَظْلَمَ ، وَانْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الْعِلْمِ وَأُحْجِمَ .
    (
    الْخَامِسَةُ ) أَنَّهُ يُورِثُ قُوَّةَ الْقَلْبِ وَثَبَاتَهُ وَشَجَاعَتَهُ ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ سُلْطَانَ الْبَصِيرَةِ مَعَ سُلْطَانِ الْحُجَّةِ .
    وَفِي أَثَرٍ أَنَّ الَّذِي يُخَالِفُ هَوَاهُ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ ، وَلِذَا يُوجَدُ فِي الْمُتَّبِعِ لِهَوَاهُ مِنْ ذُلِّ الْقَلْبِ وَضَعْفِهِ وَمَهَانَةِ النَّفْسِ وَحَقَارَتِهَا مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِمُؤْثِرٍ هَوَاهُ عَلَى رِضَاهُ ، بِخِلافِ مَنْ آثَرَ رِضَا مَوْلاهُ عَلَى هَوَاهُ ، فَإِنَّهُ فِي عِزِّ الطَّاعَةِ وَحِصْنِ التَّقْوَى ، بِخِلافِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالأَهْوَاءِ .
    قَالَ الْحَسَنُ : إنَّهُمْ وَإِنْ هَمْلَجْت بِهِمْ الْبِغَالُ ، وَطَقْطَقْت بِهِمْ الْبَرَاذِينُ ، فَإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِمْ ، أَبَى اللَّهُ إلا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ .
    وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ : النَّاسُ يَطْلُبُونَ الْعِزَّ فِي أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَلا يَجِدُونَهُ إلا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ وَالاهُ فِيمَا أَطَاعَهُ فِيهِ، وَمَنْ عَصَاهُ عَادَاهُ فِيمَا عَصَاهُ فِيهِ .
    وَفِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ : «إنَّهُ لا يُذَلُّ مِنْ وَالَيْت ، وَلا يُعَزُّ مَنْ عَادَيْت».
    (
    السَّادِسَةُ ) أَنَّهُ يُورِثُ الْقَلْبَ سُرُورًا وَفَرْحَةً أَعْظَمَ مِنْ الالْتِذَاذِ بِالنَّظَرِ ، وَذَلِكَ لِقَهْرِهِ عَدُوَّهُ وَقَمْعِهِ شَهْوَتَهُ وَنُصْرَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَفَّ لَذَّتَهُ وَحَبَسَ شَهْوَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِيهِمَا مَضَرَّةُ نَفْسِهِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ ، أَعَاضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَسَرَّةً وَلَذَّةً أَكْمَلَ مِنْهُمَا ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : وَاَللَّهِ لَلَذَّةُ الْعِفَّةِ أَعْظَمُ مِنْ لَذَّةِ الذَّنْبِ .
    وَلا رَيْبَ أَنَّ النَّفْسَ إذَا خَالَفَتْ هَوَاهَا أَعْقَبَهَا ذَلِكَ فَرَحًا وَسُرُورًا وَلَذَّةً أَكْمَلَ مِنْ لَذَّةِ مُوَافَقَةِ الْهَوَى بِمَا لا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا .
    وَهُنَا يَمْتَازُ الْعَقْلُ مِنْ الْهَوَى .
    (
    السَّابِعَةُ ) أَنَّهُ يُخَلِّصُ الْقَلْبَ مِنْ أَسْرِ الشَّهْوَةِ ، فَلا أَسْرَ أَشَدُّ مِنْ أَسْرِ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى ، قَدْ سَلَبَ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ ، وَعَزَّ عَلَيْهِ الدَّوَاءُ ، فَهُوَ كَمَا قِيلَ :
    كَعُصْفُورَةٍ فِي كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُهَا حِيَاضَ الرَّدَى وَالطِّفْلُ يَلْهُو وَيَلْعَبُ
    (
    الثَّامِنَةُ ) أَنَّهُ يَسُدُّ عَنْهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، فَإِنَّ النَّظَرَ بَابُ الشَّهْوَةِ الْحَامِلَةِ عَلَى مُوَاقَعَةِ الْفِعْلِ ، وَتَحْرِيمُ الرَّبِّ تَعَالَى وَشَرْعُهُ حِجَابٌ مَانِعٌ مِنْ الْوُصُولِ ، فَمَتَى هَتَكَ الْحِجَابُ تَجَرَّأَ عَلَى الْمَحْظُورِ ، وَلَمْ تَقِفْ نَفْسُهُ مِنْهُ عِنْدَ غَايَةٍ ، لأَنَّ النَّفْسَ فِي هَذَا الْبَابِ لا تَقْنَعُ بِغَايَةٍ تَقِفُ عِنْدَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ لَذَّتَهُ فِي الشَّيْءِ الْجَدِيدِ .
    فَصَاحِبُ الطَّارِفِ لا يُقْنِعُهُ التَّلِيدُ ، وَإِنْ كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ مَنْظَرًا أَوْ أَطْيَبَ مَخْبَرًا .
    فَغَضُّ الْبَصَرِ يَسُدُّ عَنْهُ هَذَا الْبَابَ ، الَّذِي عَجَزَتْ الْمُلُوكُ عَنْ اسْتِيفَاءِ أَغْرَاضِهِمْ فِيهِ ، وَفِيهِ غَضَبُ رَبِّ الأَرْبَابِ .
    (
    التَّاسِعَةُ ) أَنَّهُ يُقَوِّي عَقْلَهُ وَيُثَبِّتُهُ وَيَزِيدُهُ ، فَإِرْسَالُ الْبَصَرِ لا يَحْصُلُ إلا مِنْ قِلَّةٍ فِي الْعَقْلِ ، وَطَيْشٍ فِي اللُّبِّ ، وَخَوَرٍ فِي الْقَلْبِ ، وَعَدَمِ مُلاحَظَةٍ لِلْعَوَاقِبِ ، فَإِنَّ خَاصَّةَ الْعَقْلِ مُلاحَظَةُ الْعَوَاقِبِ ، وَمُرْسِلُ الطَّرْفِ لَوْ عَلِمَ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُ طَرْفِهِ عَلَيْهِ لَمَا أَطْلَقَ بَصَرَهُ ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
    وَأَعْقَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ سَبَبًا حَتَّى يُفَكِّرَ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُهُ

    (
    الْعَاشِرَةُ ) أَنَّهُ يُخَلِّصُ الْقَلْبَ مِنْ سَكْرَةِ الشَّهْوَةِ وَرَقْدَةِ الْغَفْلَةِ ، فَإِنَّ إطْلاقَ الْبَصَرِ يُوجِبُ اسْتِحْكَامَ الْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، وَيُوقِعُ فِي سَكْرَةِ الْعِشْقِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عُشَّاقِ الصُّوَرِ
    (
    لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )، فَالنَّظْرَةُ كَأْسٌ مِنْ خَمْرٍ ، وَالْعِشْقُ سُكْرُ ذَلِكَ الشَّرَابِ .
    وَآفَاتُ الْعِشْقِ تَكَادُ تُقَارِبُ الشِّرْكَ ، فَإِنَّ الْعِشْقَ يَتَعَبَّدُ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ بَيْتُ الرَّبِّ لِلْمَعْشُوقِ .
    وَفَوَائِدُ غَضِّ الْبَصَرِ وَآفَاتِ إطْلاقِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ
    الحمد لله والصلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
    فهذه فوائد غض البصر تذكرة لنفسي وأخواتي من كلام الإمام
    محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي
    في كتابه المنيف: «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب»
    قال رحمه الله تعالى: ( الْمَقَامُ الأَوَّلُ ) فِي فَوَائِدِ غَضِّ الْبَصَرِ
    (
    إحْدَاهَا ) تَخْلِيصُ الْقَلْبِ مِنْ الْحَسْرَةِ فَإِنَّ مَنْ أَطْلَقَ نَظَرَهُ دَامَتْ حَسْرَتُهُ ، فَأَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى الْقَلْبِ إرْسَالُ الْبَصَرِ ، فَإِنَّهُ يُرِيهِ مَا لا سَبِيلَ إلَى وُصُولِهِ وَلا صَبْرَ لَهُ عَنْهُ ، وَذَلِكَ غَايَةُ الأَلَمِ .
    قَالَ الْفَرَزْدَقُ :
    تَزَوَّدَ مِنْهَا نَظْرَةً لَمْ تَدَعْ لَهُ فُؤَادًا وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَا قَدْ تَزَوَّدَا

    فَلَمْ أَرَ مَقْتُولا وَلَمْ أَرَ قَاتِلا بِغَيْرِ سِلاحِ مِثْلَهَا حِينَ أَقْصِدَا

    وَقَالَ آخَرُ :
    وَمَنْ كَانَ يُؤْتَى مِنْ عَدُوٍّ وَحَاسِدٍ فَإِنِّي مِنْ عَيْنِي أُتِيت وَمِنْ قَلْبِي
    هُمَا اعْتَوَرَانِي نَظْرَةً ثُمَّ فِكْرَةً فَمَا أَبْقَيَا لِي مِنْ رُقَادٍ وَلا لُبِّ
    وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ :
    مُتَيَّمٌ يَرْعَى نُجُومَ الدُّجَى يَبْكِي عَلَيْهِ رَحْمَةً عَاذِلُهْ

    عَيْنِي أَشَاطَتْ بِدَمِي فِي الْهَوَى فَابْكُوا قَتِيلا بَعْضُهُ قَاتِلُهْ
    وَلابْنِ الْقَيِّمِ :
    أَلَمْ أَقُلْ لَك لا تَسْرِقْ مَلاحِظَهُ فَسَارِقُ اللَّحْظِ لا يَنْجُو مِنْ الدَّرَكِ
    نَصَبْت طَرْفِي لَهُ لَمَّا بَدَا شَرَكًا فَكَانَ قَلْبِي أَوْلَى مِنْهُ بِالشَّرَك
    (
    الثَّانِيَةُ ) أَنَّ غَضَّ الطَّرْفِ يُورِثُ الْقَلْبَ نُورًا وَإِشْرَاقًا يَظْهَرُ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْوَجْهِ وَفِي الْجَوَارِحِ ، كَمَا أَنَّ إطْلاقَ الْبَصَرِ يُورِثُ ذَلِكَ ظُلْمَةً وَكَآبَةً .
    قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ وَنُزْهَةِ الْمُشْتَاقِينَ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ:« وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ آيَةَ النُّورِ فِي قَوْلِهِ
    (
    اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) عَقِبَ قَوْلِهِ :(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
    وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ( النَّظَرُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ ) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ( فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوْرَثَ اللَّهُ قَلْبَهُ نُورًا ) .
    (
    الثَّالِثَةُ ) أَنَّهُ يُورَثُ صِحَّةَ الْفِرَاسَةِ فَإِنَّهَا مِنْ النُّورِ وَثَمَرَاتِهِ ، فَإِذَا اسْتَنَارَ الْقَلْبُ صَحَّتْ الْفِرَاسَةُ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ تَظْهَرُ فِيهَا الْمَعْلُومَاتُ كَمَا هِيَ ، وَالنَّظَرُ بِمَنْزِلَةِ التَّنَفُّسِ فِيهَا ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْعَبْدُ نَظَرَهُ تَنَفَّسَتْ الصُّعَدَاءَ فِي مِرْآةِ قَلْبِهِ فَطَمَسَتْ نُورَهَا، كَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ :
    مِرْآةُ قَلْبِك لا تُرِيك صَلاحَهُ وَالنَّفْسُ فِيهَا دَائِمًا تَتَنَفَّسُ
    وَقَالَ شُجَاعٌ الْكَرْمَانِيُّ رحمه الله تعالى : «مَنْ عَمَّرَ ظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ ، وَبَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ ، وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَحَارِمِ ، وَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَأَكَلَ مِنْ الْحَلالِ ، لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ».
    وَكَانَ شُجَاعًا لا تُخْطِئُ لَهُ فِرَاسَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي الْعَبْدَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ ، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَحَارِمِ عَوَّضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إطْلاقَ نُورِ بَصِيرَتِهِ ، فَلَمَّا حَبَسَ بَصَرَهُ لَهُ تَعَالَى ، أَطْلَقَ لَهُ بَصِيرَتَهُ جَزَاءً وِفَاقًا.
    (
    الرَّابِعَةُ ) أَنَّهُ يَفْتَحُ لَهُ طُرُقَ الْعِلْمِ وَأَبْوَابَهُ ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ أَسْبَابَهُ وَذَلِكَ سَبَبُ نُورِ الْقَلْبِ ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَنَارَ ظَهَرَتْ فِيهِ حَقَائِقُ الْمَعْلُومَاتِ، وَانْكَشَفَ لَهُ بِسُرْعَةٍ ، وَنَفَذَ مِنْ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ .
    وَمَنْ أَرْسَلَ بَصَرَهُ تَكَدَّرَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ ، وَأَظْلَمَ ، وَانْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الْعِلْمِ وَأُحْجِمَ .
    (
    الْخَامِسَةُ ) أَنَّهُ يُورِثُ قُوَّةَ الْقَلْبِ وَثَبَاتَهُ وَشَجَاعَتَهُ ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ سُلْطَانَ الْبَصِيرَةِ مَعَ سُلْطَانِ الْحُجَّةِ .
    وَفِي أَثَرٍ أَنَّ الَّذِي يُخَالِفُ هَوَاهُ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ ، وَلِذَا يُوجَدُ فِي الْمُتَّبِعِ لِهَوَاهُ مِنْ ذُلِّ الْقَلْبِ وَضَعْفِهِ وَمَهَانَةِ النَّفْسِ وَحَقَارَتِهَا مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِمُؤْثِرٍ هَوَاهُ عَلَى رِضَاهُ ، بِخِلافِ مَنْ آثَرَ رِضَا مَوْلاهُ عَلَى هَوَاهُ ، فَإِنَّهُ فِي عِزِّ الطَّاعَةِ وَحِصْنِ التَّقْوَى ، بِخِلافِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالأَهْوَاءِ .
    قَالَ الْحَسَنُ : إنَّهُمْ وَإِنْ هَمْلَجْت بِهِمْ الْبِغَالُ ، وَطَقْطَقْت بِهِمْ الْبَرَاذِينُ ، فَإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِمْ ، أَبَى اللَّهُ إلا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ .
    وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ : النَّاسُ يَطْلُبُونَ الْعِزَّ فِي أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَلا يَجِدُونَهُ إلا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ وَالاهُ فِيمَا أَطَاعَهُ فِيهِ، وَمَنْ عَصَاهُ عَادَاهُ فِيمَا عَصَاهُ فِيهِ .
    وَفِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ : «إنَّهُ لا يُذَلُّ مِنْ وَالَيْت ، وَلا يُعَزُّ مَنْ عَادَيْت».
    (
    السَّادِسَةُ ) أَنَّهُ يُورِثُ الْقَلْبَ سُرُورًا وَفَرْحَةً أَعْظَمَ مِنْ الالْتِذَاذِ بِالنَّظَرِ ، وَذَلِكَ لِقَهْرِهِ عَدُوَّهُ وَقَمْعِهِ شَهْوَتَهُ وَنُصْرَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَفَّ لَذَّتَهُ وَحَبَسَ شَهْوَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِيهِمَا مَضَرَّةُ نَفْسِهِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ ، أَعَاضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَسَرَّةً وَلَذَّةً أَكْمَلَ مِنْهُمَا ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : وَاَللَّهِ لَلَذَّةُ الْعِفَّةِ أَعْظَمُ مِنْ لَذَّةِ الذَّنْبِ .
    وَلا رَيْبَ أَنَّ النَّفْسَ إذَا خَالَفَتْ هَوَاهَا أَعْقَبَهَا ذَلِكَ فَرَحًا وَسُرُورًا وَلَذَّةً أَكْمَلَ مِنْ لَذَّةِ مُوَافَقَةِ الْهَوَى بِمَا لا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا .
    وَهُنَا يَمْتَازُ الْعَقْلُ مِنْ الْهَوَى .
    (
    السَّابِعَةُ ) أَنَّهُ يُخَلِّصُ الْقَلْبَ مِنْ أَسْرِ الشَّهْوَةِ ، فَلا أَسْرَ أَشَدُّ مِنْ أَسْرِ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى ، قَدْ سَلَبَ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ ، وَعَزَّ عَلَيْهِ الدَّوَاءُ ، فَهُوَ كَمَا قِيلَ :
    كَعُصْفُورَةٍ فِي كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُهَا حِيَاضَ الرَّدَى وَالطِّفْلُ يَلْهُو وَيَلْعَبُ
    (
    الثَّامِنَةُ ) أَنَّهُ يَسُدُّ عَنْهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، فَإِنَّ النَّظَرَ بَابُ الشَّهْوَةِ الْحَامِلَةِ عَلَى مُوَاقَعَةِ الْفِعْلِ ، وَتَحْرِيمُ الرَّبِّ تَعَالَى وَشَرْعُهُ حِجَابٌ مَانِعٌ مِنْ الْوُصُولِ ، فَمَتَى هَتَكَ الْحِجَابُ تَجَرَّأَ عَلَى الْمَحْظُورِ ، وَلَمْ تَقِفْ نَفْسُهُ مِنْهُ عِنْدَ غَايَةٍ ، لأَنَّ النَّفْسَ فِي هَذَا الْبَابِ لا تَقْنَعُ بِغَايَةٍ تَقِفُ عِنْدَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ لَذَّتَهُ فِي الشَّيْءِ الْجَدِيدِ .
    فَصَاحِبُ الطَّارِفِ لا يُقْنِعُهُ التَّلِيدُ ، وَإِنْ كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ مَنْظَرًا أَوْ أَطْيَبَ مَخْبَرًا .
    فَغَضُّ الْبَصَرِ يَسُدُّ عَنْهُ هَذَا الْبَابَ ، الَّذِي عَجَزَتْ الْمُلُوكُ عَنْ اسْتِيفَاءِ أَغْرَاضِهِمْ فِيهِ ، وَفِيهِ غَضَبُ رَبِّ الأَرْبَابِ .
    (
    التَّاسِعَةُ ) أَنَّهُ يُقَوِّي عَقْلَهُ وَيُثَبِّتُهُ وَيَزِيدُهُ ، فَإِرْسَالُ الْبَصَرِ لا يَحْصُلُ إلا مِنْ قِلَّةٍ فِي الْعَقْلِ ، وَطَيْشٍ فِي اللُّبِّ ، وَخَوَرٍ فِي الْقَلْبِ ، وَعَدَمِ مُلاحَظَةٍ لِلْعَوَاقِبِ ، فَإِنَّ خَاصَّةَ الْعَقْلِ مُلاحَظَةُ الْعَوَاقِبِ ، وَمُرْسِلُ الطَّرْفِ لَوْ عَلِمَ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُ طَرْفِهِ عَلَيْهِ لَمَا أَطْلَقَ بَصَرَهُ ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
    وَأَعْقَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ سَبَبًا حَتَّى يُفَكِّرَ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُهُ

    (
    الْعَاشِرَةُ ) أَنَّهُ يُخَلِّصُ الْقَلْبَ مِنْ سَكْرَةِ الشَّهْوَةِ وَرَقْدَةِ الْغَفْلَةِ ، فَإِنَّ إطْلاقَ الْبَصَرِ يُوجِبُ اسْتِحْكَامَ الْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، وَيُوقِعُ فِي سَكْرَةِ الْعِشْقِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عُشَّاقِ الصُّوَرِ
    (
    لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )، فَالنَّظْرَةُ كَأْسٌ مِنْ خَمْرٍ ، وَالْعِشْقُ سُكْرُ ذَلِكَ الشَّرَابِ .
    وَآفَاتُ الْعِشْقِ تَكَادُ تُقَارِبُ الشِّرْكَ ، فَإِنَّ الْعِشْقَ يَتَعَبَّدُ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ بَيْتُ الرَّبِّ لِلْمَعْشُوقِ .
    وَفَوَائِدُ غَضِّ الْبَصَرِ وَآفَاتِ إطْلاقِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ
     
    أعجب بهذه المشاركة ouragh
    #1
  2. جاري تحميل الصفحة...


  3. محب الجنة

    • آڷحمۧد لله-حټے يپڷغ-آڷحمۧد مۧنټہآه
    محب الجنة
    غير متصل
    عضو منذ: ‏16 نوفمبر 2010
    عدد المشاركات: 7,565
    عدد المعجبين: 3,560
    الجنس: ذكر
    مشكورررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر
     
    #2
  4. amani

    • مشرفة أقسام الأسرة الجزائرية
    amani
    غير متصل
    عضو منذ: ‏7 سبتمبر 2010
    عدد المشاركات: 4,325
    عدد المعجبين: 121
    الوظيفة: طالبة
    مكان الإقامة: الهامل
    لا شكرا على واجب اخي
     
    #3
  5. El Niño

    • :: عضو مميـز ::
    El Niño
    غير متصل
    عضو منذ: ‏13 اكتوبر 2010
    عدد المشاركات: 6,046
    عدد المعجبين: 63
    الجنس: ذكر
    الوظيفة: Student
    شكرا على الموضوع الرائع و المميز
    ELNino
     
    #4
  6. amani

    • مشرفة أقسام الأسرة الجزائرية
    amani
    غير متصل
    عضو منذ: ‏7 سبتمبر 2010
    عدد المشاركات: 4,325
    عدد المعجبين: 121
    الوظيفة: طالبة
    مكان الإقامة: الهامل
    شكرا على مرورك
     
    #5
  7. ouragh

    • كبار الشخصيات
    ouragh
    غير متصل
    عضو منذ: ‏22 ماي 2014
    عدد المشاركات: 20,712
    عدد المعجبين: 11,828
    الجنس: ذكر
    جزاك الله خيرا
     
    #6