إستراتيجية الاستعمار الفرنسي في الجزائر [ مقآل ]

الموضوع في 'تاريخ الجزائر' بواسطة chalnark16, بتاريخ ‏15 نوفمبر 2010.

مشاركة هذه الصفحة

  1. chalnark16

    • :: عضو مميـز ::
    chalnark16
    غير متصل
    عضو منذ: ‏5 جويلية 2010
    عدد المشاركات: 1,535
    عدد المعجبين: 88
    مكان الإقامة: الجزائر/بوسعادة
    إستراتيجية الاستعمار الفرنسي في الجزائر

    كتب: د / محمد دادة
    22/03/1431 الموافق 07/03/2010


    أكثرمن ثلاثة قرون ظلت الجزائر قوة بحرية تسيطر على غربي البحر الأبيض المتوسط، وفي سنة 1830 بعثت فرنسا بحملة عسكرية ضدها نتج عنها استيلاء الجيش الفرنسي على مدينةالجزائر، ثم واصل حروبه إلى أن أعلنت الجزائر جزءاً من فرنسا.‏
    وقدساهم في أسباب هذه الحملة كل من الظروف العالمية والحالة الداخلية في فرنساوالجزائر معاً، وسواء أكانت هذه الأسباب سياسية أو اقتصادية فإنها أدت بالملكالفرنسي إلى أن يخطط الحملة ضد مستقلة تقع على الشاطئ الأخر من البحر الأبيضالمتوسط.‏
    وفيتحليله آليات الاستعمار الفرنسي بالجزائر خلص «جوليان» إلى استنتاج قوامه أن أغلبرجال السياسة(1) كانوا على وفاق تام حول مشروع الاحتلال، وكان ذلك واضحاً فيممارساتهم وكتاباتهم وتدخلاتهم، لأن مسألة الاستيلاء على أرض الجزائر، كانت لبالسياسة الفرنسية تجاه شمال إفريقية آنذاك، فالجزائر بموقعها الاستراتيجي الحساس،وإمكانياتها الاقتصادية، كانت تراود مشاعر أصحاب رؤوس الأموال والأوساط التجارية،ولاسيما منهم التجار المرسليين الذين ساهموا في توجيه «شارل العاشر» على اتخاذقرار الحملة، لأن ذلك سيفتح أمامهم أسواقاً جديدة لتجارتهم، وكان قد أقلقهم استمرارالحصار البحري على الجزائر(2).‏
    وهكذااتفق الاستعماريون والبرجوازيون على غزو الجزائر، واستغلال خيراتها، ونقل الفائض منسكان فرنسا إليها، ولم تتردد الدولة الاستعمارية في الكشف عن حقيقة أهدافهاالاستراتيجية، فعملت منذ البداية على استخدام وسائل فعالة لتحقيق هذا الهدف،وللإحاطة بهذه الوسائل العملية التي تدخل ضمن اهتماماتها الإستراتيجية، سنكتفيبدراسة ما يأتي:‏
    1ـ الجهد العسكري الفرنسي وحرب الإبادة.‏
    2- دور المكاتب العربية.‏
    3ـ أسلوب التفرقة وإذكاء الصراع الداخلي.‏
    أولا: الجهد العسكري الفرنسي وحرب الإبادة:‏
    ركزتالدولة الفرنسية على دعاية مفادها أن أرض الجزائر كانت شبه فارغة ويعمها التخلف،وهذا الخطاب هو الذي رسمه دعاة الاستعمار في صياغة قناعة مشتركة لدى العالم الأوربيقوامه أن الحضارة الغربية باعتبارها مشروعا حضاريا، يساعد الشعوب المتخلفة علىالارتقاء إلى درجة المدنية في تجلياتها العامة، طالما أن الاستعمار بتعبير «ألبيرباييه» (Albert Bayet) « يعد مشروعاً حين يحمل الشعب الذي يحمل كثيراً من الأفكاروالعواطف التي من شأنها أن تغني شعوباً أخرى، حينذاك لا يصبح الاستعمار حقاً فحسببل واجباً»(3).‏
    إننالن نعدد الكتابات التي وظفت لتأكيد هذه السياسة الاستعمارية، وغرضنا أن نبين ما وردفي خطاب الاحتلال لم يكن يهدف سوى إلى تسويغ ظاهرة الاستعمار، ويكفي هنا أن نعتمدعلى ما قاله «مصطفى الأشرف» كرد على: هؤلاء، حيث يقول: «وجدت فرنسا وجهاً لوجه أماممجتمع حسن التنظيم، له حضارته الخاصة الشبيهة إلى حد ما بحضارات البحر الأبيضالمتوسط، وهذا المجتمع لا يخلو من عيوب، ولكنه حبه للحرية وتمسكه بالأرض، واتحادكلمته، وأصالة ثقافته، وصدق وطنيته، وغزارة موارده الطبيعية، ونبل مثله العليا، كلذلك أعطى البرهان الساطع والدليل القاطع على أصالته....»(4).‏
    ويضيفالكاتب نفسه، وهو يرد على كلام بوجولا(5): «إن الإنسان إذ يسمع هذه العبارات «الرائعة» لا يسعه إلا أن يعتقد بأن صاحبها يتحدث عن شعب متوحش متجرد من الأخلاقوالدين»(6).‏
    لقدكانت الحركة الاستعمارية تهدف إلى انتزاع أراضي الجزائريين ومنحها للمهاجرينالأوروبيين، ولكن منذ البداية أدرك المستعمرون الأوائل أن هذه العملية ليستبالأمر السهل، ولاسيما أنهم اكتشفوا بأنفسهم في الميدان أن السكان كانوا غيرمستعدين للخضوع لهم، ولهذا كان اللجوء إلى التقتيل الجماعي والتدمير والتخريب أمراضروريا لتنفيذ أهدافهم الإستراتيجية الاستعمارية، وهو طرد السكان الأصليينوالاستحواذ على أراضيهم، وكانت هذه العملية تتطلب تعبئة إمكانيات مالية وعسكريةضخمة لتحقيق المشروع الاستعماري الاستيطاني في الجزائر.‏
    إنالأعمال الشنيعة التي اقترفها جنرالات فرنسا وجنود الاحتلال خلال العقود الأولى منالقرن التاسع عشر ضد الجماعات السكانية المحلية، أصبحت اليوم معروفة لدى المؤرخينوالكتاب.‏
    غيرأنه من الواجب تذكيرها، ولاسيما الأعمال الإجرامية المنظمة التي ارتكبت قبل عهد «بيجو» وبعده أو في زمان حكمه، والتي تميزت من غيرها نظراً لعظم الوسائل التي كانتبيده، وسائل كانت واسعة المفعول في القضاء على اقتصاد الجزائر بصفة لا تسمح لهذاالبلد بالنهوض قبل عشرات من السنوات، ولا بالنهوض على الإطلاق في بعض مناطقالاحتلال.
    ومما لا شك فيه أن التوازن السكاني قد اختل إما بسبب المجازر المنظمة، وإما بسبب الجذب والمجاعات التي عقبتها.‏
    وهكذالم تتماطل فرنسا في تنفيذ أهدافها منذ الوهلة الأولى من نزول قواتها في مدينةالجزائر، فقد سارع «دوبرمون» إلى الاستيلاء على خزينة الجزائر الموجودة في القصبةآنذاك(7) وترك جنوده ينهكون الأعراض ، ويسلبون المتاع، ويريقون الدماء ، ويهدمونالمنازل والمحلات ، بالرغم من تعهد «دوبرمون» بشرفه أن يحافظ على حرية الدين ، وعلىأملاك السكان وتجارتهم وصناعتهم ، وأن يحترم نساءهم وحرماتهم.‏
    كانالجميع يظن بأن أمة متحضرة مثل الأمة الفرنسية لا يمكن أن تنكث العهد، ولكن سرعانما انتشر الجيش الفرنسي في مدينة الجزائر، وبدأ يعث فيها فساداً، ونستشهد بمؤرخالجيش الفرنسي في الجزائر، وهو بول أزان (Paul Azan) يصف لنا حالة هذا الجيش خلالشهر تموز سنة 1830، فيقول: «إن الجنود ارتكبوا أعمالا تخريبية حول مدينة الجزائر،فخربوا الأحواش ، وقطعوا الحدائق، وخلعوا أعمدة المنازل، وثقبوا أنابيب المياه،وهدموا سواقي المياه لكي يسقوا حيواناتهم ...»(8).‏
    ويتحدث «روزي» عن سهل المتيجة الذي تعرض للتخريب، عندما قام الجندبتكسير وحرق شجر الزيتون لتوسيع رحبتهم، وكان «روزي» نفسه يتصور مستقبل الاستعمارالاستيطاني في أخصب أراضي المتيجة على الطريقة الآتية: «سوف يلزمنا الحاجة إلىإبادة جميع السكان الساكنين في جبال بني مناد وشنوة ...»(9).‏
    والحقأن ذلك لم يكن افتراضا، ففي عام 1832 قام الجنرال «دي روفيغو» (Le Duc De Rovigo)،بمجزرة رهيبة، إذ أباد قبيلة العوفية بمجرد اتهام بعض أفرادها بالسرقة، في حين كاناللصوص ينتمون إلى قبيلة أخرى، وقد حدثت هذه الإبادة عندما اجتاحت فرقة عسكرية فيالصباح الباكر على قبيلة العوفية في سهل متيجة، وفاجأهم الجنرال وهم نائمون فيخيامهم، فذبحهم دون مقاومة من أحد، فكل الأحياء كان مصيرهم الموت دون تمييز بينالصغير والكبير وبين الذكر والأنثى(10).‏
    ومنهنا تتضح أهداف الإخضاع بالعنف والقوة إلى درجة الإبادة منذ البداية، وبدأت الجولاتالمسلحة التي تعبر عن أصدق صعوبات الاحتلال يوم أدرك الجزائريون نوايا فرنساالاستعمارية، بعد سقوط الحكم المركزي، وظهور الفراغ السياسي، وعجز المدن عن صنعقيادة جديدة، وكانت القيادات الجديدة قد ظهرت في الأرياف لمواجهة القوات الفرنسية،أمثال علي السعدي، والحاج محمد بن زعموم، والأمير عبد القادر، وآخرين من زعماءالطرق الصوفية وزعماء الأعراش.‏
    ولكنهذا الوضع لا يمكن أن يدوم طويلاً، فالفرنسيون أرادوا أن يخرجوا من الحصار والتوجهإلى مناطق السهول، ويبدو أن استمرار المقاومة الريفية شكل عائقاً أمام السلطاتالاستعمارية التي كانت تريد المزيد من الأراضي ، فكان إرسال «بيجو» إلى الجزائر فيسنة 1840، دليلا على إسرار الحكومة الفرنسية على تسريع تنفيذ مشروعها الاستيطاني،وهو الذي كان يعد الغزو طريقة حربية مشروعة وضرورية ، وذلك بتخريب وتدمير القرى التييقطنها السكان، حيث يقول: «يجب أن نقوم في إفريقية بحملة كبيرة شبيهة بما كان يفعلالأفرنج وما كان يفعل القوط....»(11).‏
    وفيالواقع أن «بيجو» انتقد الوسائل والأساليب السابقة، واعتبرها أساليب ضعيفة ضدالسكان، وكان حكم «بيجو» يمثل الصورة القاسية، حيث تضمن مخططه عدة أساليب، من بينهاالإضرار بالسكان في أرزاقهم ، كالمحاصيل والمزارع والمواشي والمطامير، فكل شيء يقففي طريق الوصول إلى هدفه كان يجب أن يزول مهما كانت قيمته.‏
    وقدنجح في إضعاف المقاومة الجزائرية التي كان يقودها الأمير عبد القادر، الذي أرغم علىالتسليم بعد عدة شهور فقط من مغادرة «بيجو» للجزائر عام 1847(12).‏
    وكانإسرار السكان على التمسك بأراضيهم، يشكل عائقا أمام السلطات الاستعمارية التي كانتتريد المزيد من الأراضي، وكان الضباط الكبار يتسابقون للوصول إلى أهدافهم المقررة،وذلك باستعمال مكثف وأعمى لعملية الإبادة الجماعية للسكان المحليين، ويكفي للتدليلعلى ما نقوله أننا نورد فيما يأتي اعترافات الجنرال «كافينياك» (Cavaignac) حول مافعله لإبادة قبيلة بني صبيح عام 1844، حيث يقول: «لقد تولى الجنود جمع كميات هائلةمن أنواع الحطب، ثم كدسوها عند مدخل المغارة التي حملنا قبيلة أولاد صبيح علىاللجوء إليها بكل ما تملك من متاع وحيوانات، وفي المساء أضرمت النيران وأخذت كلالتدابير، لكي لا يتمكن أي كان من الخروج منها حيا»(13).‏
    وقدبين ذلك الأسلوب «توكفيل» في تقرير له عام 1841، وهو يتحدث عن الوسائل العملية التييمكن استخدامها في إخضاع القبائل الجزائرية، فيقول: «يجب أن ندمر تجارتهم ، وأن نمنععنهم كل المبادلات التجارية، وبعد ذلك تأتي الوسيلة الثانية وهي تخريب البلاد، وفياعتقادنا أن الحرب ضرورية في تدمير البلاد ، سواء بإتلاف المحاصيل في أوقات الحصاد،أو في كل الأوقات التي تتطلب الغارات المباغتة والسريعة من أجل اختطاف العباد ونهبقطعان الغنم والبقر»(14).‏
    وهكذايظهر جلياً أن خطاب «توكفيل» كان يتماشى مع خطاب بناة الاستعمار، فهو في الختاميطمئن قادة فرنسا على أن تلك الأساليب والمغامرات العسكرية تعد مفخرة للدولةالفرنسية، وبتعبيره، وهو ينصح قادة العنف والتقتيل: «ألا تنشغلوا بأمجادكم الشخصية،وأن يؤدي كل واحد منكم واجبه بإخلاص لبلاده، إن فرصة الظهور لكل واحد منكم تكمن فيالقيام بأعمال وحشية ودموية»(15).‏
    كانتفرنسا في حاجة إلى المزيد من الجنود قصد تنفيذ إستراتيجيتها الاستعمارية فيالجزائر، ولهذا لم تكتف بقوتها العددية، بل راحت تستعين بالمجندين أو المحاربين منمختلف الجنسيات الأوروبية وكذلك بالمجندين الجزائريين لتأسيس «الجيش الإفريقي».‏
    كانعدد هؤلاء المجندين الجزائريين في سنة 1844 حوالي 9.654 مقاتلاً من المجموع العامالذي بلغ 80.862 جندياً، وفي سنة 1859 بلغ عدهم 13.259 من مجموع 83.870 جندياً، أيبنسبة (16%)، أما الجيش الفرنسي، فكان عدده بالتقريب 100 ألف جندي فيما بين 1846 و1847، وأكثر من 80 ألف جندي في سنتي 1857 و 1864، وأكثر من 70 ألف في أواخر (16) .
    ونلاحظ أن العدد التقريبي كان يتغير وفق الظروف الحربية، واشتدادالمقاومة الجزائرية، وحسب «فارني» (Warnier)، فإن الجندي كان يكلف حوالي 1.000 فرنكفي السنة، وهذا ما كلف خزينة الدولة الاستعمارية أكثر من مليارين ومائتي مليونفرنك(17).‏
    تلكهي جوانب من الجهد الحربي الفرنسي، وأساليبه في الإبادة ولم تقتصر السلطاتالاستعمارية على ذلك، بل عمدت على إنشاء في الوقت نفسه المكاتب العربية التي ستكونالوسيلة الأخرى التي ستستخدمها الإدارة العسكرية لإخضاع السكان.‏
    ثانيا: دور المكاتب العربية:‏
    عندماحاول الفرنسيون أن يتوسعوا في الجزائر ويبسطوا نفوذهم في مختلف المناطق، واجهتهمصعوبات كثيرة من جراء رفض وامتناع الجزائريين من التعاون معهم ومهادنتهم، وكانت قدطرحت مشكلة إدارة السكان بعد فترة قصيرة من الاحتلال للقيادة العسكرية التي كانتتنقصها معلومات حول الأحوال العامة في الجزائر، ولكن نظراً لنقص الخبرة، تركتالقيادة هذه الأعمال ، وأعطيت مهمة مراقبة السكان لبعض الشخصيات المحلية ذات النفوذالكبير، وقد تبين بعد ذلك أن هذه الشخصيات المختارة لم تقم بدورها كاملاً في تزويدالإدارة العسكرية بالمعلومات الضرورية، ولهذا قررت السلطات الاستعمارية إنشاء هيئةتتكلف بجمع المعلومات عن الجزائريين، وجعل هذه الهيئة عبارة عن جسر يربط بينالفرنسيين وبين الجزائريين.‏
    تأسستهذه الهيئة في عام 1833، وسميت «بالديوان العربي» وكان أول شخص عين على رأسها، هوالنقيب «لاموريسيير» (Lamoricière)، الذي كان يجيد اللغة العربية، وقد أعطى هذاالضابط دفعاً قوياً لهذه المصلحة، وحقق نجاحاً كبيراً، وأصبح مكتبه وسيلة فعالة فيالتقاط المعلومات وجمعها والدعاية للاستعمار.‏
    وفيعام 1837 تحولت هذه الهيئة إلى «إدارة الشؤون العربية» وكانت هذه الهيئة مسئولة عن «تسهيل عملية الاتصال برؤساء العشائر والتفاوض معهم، وإقناعهم بقبول مبدأ التعاونمع فرنسا مقابل التزام هذه الأخيرة باحترام أساليب عملهم والعادات والتقاليدالموجودة عندهم وتوفير الأمن والطمأنينة في مناطق نفوذهم وحماية مصالحهم»(18)، ومعذلك، فإن عمل هذه الهيئة مستقبلا لا يؤكد على هذا الأمر على الإطلاق.‏
    ونظراً لازدياد العملاء في مساعدة الجيش الفرنسي، فقد قرر «بيجو» فيعام 1844 أن يؤسس بصفة رسمية المكاتب العربية ، ويضع لها الهياكل الإدارية بحيث تصيرهذه المكاتب هي الوسيلة الأساسية التي سيستعملها الجيش الفرنسي لإخضاع الجزائريينوالقضاء على ما بقي من مؤسسات الدولة الجزائرية.
    وحسب التنظيم الجديد للمكاتبالعربية التابعة للجيش الفرنسي فإن إدارة الشؤون العربية على مستوى القيادةالعسكرية قد قامت بتأسيس إدارات فرعية لها على مستوى المقاطعات الثلاثة الموجودةبالجزائر ، وفي كل مقاطعة توجد وحدات للمكاتب العربية من الدرجة الأولى، ووحداتثانوية من الدرجة الثانية، وباختصار فإن المكاتب العربية تحولت إلى إدارات محليةللتحكم في السكان والمجتمع الريفي(19).‏
    وفيعام 1841 بلغ عدد المكاتب العربية في الجزائر 21 مكتباً، وارتفع العدد في عام 1865إلى 46 مكتباً، وتوزعت هذه المكاتب في أنحاء البلاد على الشكل الآتي: 14 مكتباًوثلاث ملحقات في عمالة الجزائر، و12 مكتباً وملحقة واحدة في عمالة وهران، و15مكتباً وملحقة واحدة في عمالة قسنطينة(20)، ثم وصل عدد المكاتب العربية في عام 1870إلى 49 مكتباً. وكان يشرف على هذه المكاتب 200 ضابط على مستوى المقاطعاتالثلاثة(21).‏
    وحسبالقرار الوزاري المؤرخ في 01 شباط 1844، الذي تقرر فيه إنشاء المكاتب العربية فإنكل مكتب كان يتشكل في كل مقاطعة من حوالي عشرة أشخاص إلى أقصى حد، وكانت هذه الهيئةتساعدها فرقة من فرسان الصبايحية، تتكون من 25 فارساً و8 فرسان من قواتالمخزن(22).‏
    وقدأعطيت كل الإمكانيات المادية للمكاتب العربية لكي تقوم بنشاطها الفعال في مختلفمناطق البلاد، وبالإضافة إلى تجهيز المكاتبة العربية، كانت توجد مساكن الضباط،والمكتبات التي أحوت على كتب التاريخ والجغرافية واللسانيات، كما أحوت على قاعاتالأرشيف والصيدليات، والإصطبلات والسجون وقاعة الاستقبال التي كانت مفتوحة مجاناًللأشخاص المتعاونين مع الفرنسيين(23).‏
    وكماهو واضح فإن المكاتب العربية كانت منظمة جيداً، نظراً للوسائل المادية التي سخرتلها لكي تقوم بمهامها في أحسن الأحوال، يقول «ياكونو» (Yacono) بخصوص هذا التنظيم: «لقد أعطت كل المكاتب العربية التي درسناها انطباعاً جيداً لأن خلاياها كانتمشكلة تشكيلاً محكماً، وتتميز بالحيوية القصوى، كما أن الأرشيف القوي الذي تركتههذه المكاتب يدل على العمل الجبار الذي قام به ضباط هذه المكاتب في الأوساطالأهلية...»(24).‏
    وإذاكانت المؤسسة العسكرية الفرنسية هدفت من وراء القرارات والنصوص إلى إنشاء المكاتبالعربية التركيز على «تحقيق التهدئة الدائمة في أوساط القبائل» وحماية الاستيطانالأوروبي فإن مهامها ستتوسع بعد ذلك ليزداد نفوذها بالتدريج حتى أصبح ديوان المكتبالعربي هو المركز الحقيقي للسلطة في الجزائر(25).
    وصارت تمارس مسؤوليات الحراسةوالمراقبة والتوجيه السياسي والدعائي والمالي والعسكري والإداري، كما صارت تكونإدارة مستقلة حتى عن الجيش الفرنسي، ويخضع لها تسعة أعشار البلاد(26) لكن في واقعالأمر تعد المهمة الرئيسة لرؤساء المكاتب العربية بصفتهم ينتمون إلى السلطةالعسكرية، هي جمع المعلومات التي تخدم الجيش الفرنسي وتساعده على تقوية نفوذه فيالبلاد، وتتمثل هذه المعلومات في إحصاء الأراضي الزراعية والتعرف على مجاري المياه،وأخذ فكرة عن التنظيم القبلي، ولاسيما في المناطق الخاضعة للنظام العسكري، وتحديدنوعية المداخيل المالية حتى يتمكن الضباط من الحصول على أموال كبيرة عند جمعالضرائب، كما كانت مهمتهم تزويد مصالح الغابات بمعلومات تخص هذا القطاع، وتسهيلمهمة موظفي الغابات لمعاينة المناطق الغابية(27).‏
    ولميقتصر دور المسئولين في هذه المكاتب على جمع المعلومات ومراقبة السكان وتسيير إدارةرؤساء العرب المتعاونين معهم، بل تطور دورهم إلى تعيين أو خلع المسئولين المحليين،واستصدار قرارات في المسائل الإدارية أو القضائية، كما تضمن دورهم أيضا، القيامبدور القضاة والإشراف على تنفيذ الأحكام القضائية، وفرض الغرائم علىالجزائريين(28).‏
    وعلىهذا الأساس كانت المكاتب العربية تعد دعامة أساسية للسلطة العسكرية، لأنها كانتالأداة أو الوسيلة التي استطاع من خلالها ضباط المقاطعات والدوائر والنواحي من فرضسيطرتهم على الجزائريين ، وحسب «ياكونو»، فإن سلطات رؤساء المكاتب كانت في بعضالأحيان تتجاوز وتفوق السلطات التي يمارسها أعضاء الحكومة، نظراً للإمكانيات التيكانت تحت تصرفهم من ميزانية وعساكر وموظفين، إذ تمتعوا بمطلق الحرية في فرض تسلطهمعلى الأرض والسكان معاً(29).‏
    منالواضح أن هذه السياسة الاستعمارية هي التي كانت تزيد من غضب الجزائريين وتدفعهمدوماً إلى استعمال العنف لمقاومتها ودفع أخطارها، وهي إحدى الحوافز لثورات القرنالتاسع عشر ، وكان لا بد على فرنسا أن تلجأ إلى تدابير فعّالة أخرى في الوقت نفسهللسيطرة على سكان الأرياف، وذلك باتباع أسلوب التفرقة وتوظيف الزعامات المحليةلصالحها، وكل ذلك بغرض تهيئة الجو المناسب لإقامة المشاريع الاستيطانية في أرضالجزائر.‏
    ثالثا: أسلوب التفرقة وإذكاء الصراع الداخلي:‏
    كانمن الصعب على فرنسا، بعد احتلالها للجزائر أن تفرض سيطرتها على داخلية البلاد،وخاصة في إقليمي وهران وقسنطينة ، ولقد اكتفت في فترة من الزمن باحتلال النقطالساحلية، وحاولت العثور على رؤساء من البلاد، يعترفون لها بالسيادة على تلكالمناطق الداخلية، ولكنها فشلت في محاولتها نتيجة لمقاومة الجزائريين للتوغلالعسكري الفرنسي داخل بلادهم، وتصميمهم على الاستمرار في هذه المقاومة وبقوةالسلاح.‏
    وأدركالفرنسيون منذ البداية أن ازدياد المقاومة الشعبية سيمنعهم من التوسع في الاستعماروإقامة المراكز الاستيطانية، ولذا حاولوا استغلال الأوضاع القائمة في البلاد،واستخدام وسائل من شأنها أن تجرد السكان من وسائل الدفاع المادية والمعنوية، وقدنصح «ولسن استرهزي» (Walsin Estrhazy) بالاعتماد على سياسة النظام القديم، التيكانت وسائله ناجعة في إخضاع السكان الجزائريين، وذلك عندما اصطنع النظام العثمانيقبائل المخزن ومنحها امتيازات وإعفاءات وسلطها على القبائل العاصية أوالثائرة(30).‏
    ومنجهة أخرى لفت الضابط «لاباسي» (Lapasset) الانتباه إلى حكم العثمانيين الذي استغرقثلاثة قرون، لم يكن يعتمد إلا على قوات قليلة، وكان قد استعان بقبائل المخزن التيكانت خير وسيلة للتحكم في الأوضاع الأمنية، وذكّر هذا الضابط أنه باستطاعة المؤسسةالعسكرية الفرنسية أن تدعم قبائل المخزن أكثر مما دعمها النظام السابق، وذلك حسبقوله: «بالاعتماد على نخب شجاعة من الأهالي الذين بإمكاننا ربطهم بمجموعة منالمصالح ، إذ تركب معنا الخيول وتشاركنا في حملاتنا العسكرية، وتساعدنا على فعل عملالشرطة ومراقبة القبائل الثائرة علينا، ونسمح لهم على أن يصبحوا المروجين ودعاةلأفكارنا، ونربطهم بمصالح الحكومة التي تمنحهم بعض الامتيازات وبعض التكريمات، وهذاكله حتى يردوا العدوان علينا»(31).‏
    وبناءعلى ذلك، عملت فرنسا على استخدام قبائل المخزن للسيطرة على السكان من جهة، وعلى خلقالتفرقة بين القبائل من جهة، وذلك طبعاً للمبدأ القائل: فرق تسد‏
    كانتإستراتيجية فرنسا تقوم منذ البداية على تحطيم النظام الاجتماعي في كل منطقة يتماحتلالها، وذلك بقصد تكسير العلاقات العائلية، وإقامة نظام جديد يحل محل النظامالمألوف عند الجزائريين، وتحت غطاء المحافظة على الأمن وتوسيع نفوذ الدولةالفرنسية، قامت السلطات بضم فئات وزعمات محلية من أبناء البلاد إلى جانبها، وذلكبالموازاة مع حرب الإبادة التي كانت تقوم بها القوات الفرنسية ضد السكان بإيعاز منالمكاتب العربية التي كانت ـ حسب أحد القادة العسكريين، هي العقل المدبر والمخطط،وقلب الحكومة الأهلية:، أما قبائل المخزن، فهي « عين الحكومة»(32).‏
    إنهدف فرنسا من هذه السياسة كان قطع الصلة بين القبائل وبين المقاومة، وذلك بمنع أيمساعدة يحصل عليها الثوار من السكان، كما كانت تهدف إلى التخلص من أي زعيم جزائري،لأن نجاح الاستعمار مرتبط بالقضاء على الزعامات الوطنية التي كانت تشكل خطراً علىالتواجد الاستعماري في المنطقة، وكان دور السلطة العسكرية الفرنسية خطيراً عندماأرادت خلق جبهة محلية مرتبطة بالامتيازات والمصالح الاستعمارية ضد جبهة وطنيةمقاومة للتوسع الاستعماري.
    وبخصوص هذه السياسة يقول: «ريشار» (Richard): «إذاتوصلنا من أن نقسم السكان إلى معسكرين متحاربين ومتعاديين، فإننا نستطيع إذ ذاك أننضع حداً فاصلاً ومانعاً بين مجموعتين من السكان، هي حتى الآن موحدة ومتضامنةلمحاربتنا»(33).‏
    وهذاما سعت إليه فرنسا في بث الشقاق والنزاع ضمن سياسة فرق تسد، وهذا ما اتبعته في شرقالبلاد ضد ما أسمته «الأرستقراطية الإقطاعية»، إذ نجحت في خلق معسكرين اثنين منعائلة المقراني هما: معسكر أولاد عبد الله ومعسكر أولاد عبد السلام(34).‏
    وهكذاومما لا شك فيه أن المستعمر استفاد من هذا التصدع والنزاع بين الإخوة وتجزئةالمقاومة، إذ سعى لتعميق الهوة بين الفريقين، ولاسيما بعد مجيء مكماهون (Mac-Mahon) إلى الجزائر سنة 1864 ومحاولته القضاء على المقاومة الجزائرية، إذ نهجهذه السياسة بالاعتماد على الزعامات المحلية الموالية للإدارة الفرنسية(35).‏
    ولميتردد «لويس رين» (Louis Rinn) في إبداء ملاحظاته بكل وضوح بشأن نوع الخدمات التيأدتها هذه الزعامات أو العائلات الكبرى للغزاة الفرنسيين، حيث يقول: «لم نكن فيحاجة لا إلى رجال الإدارة، ولا إلى موظفين، بل كنا في حاجة إلى حلفاء من ذوي الجاهوالسلطان...»(36).‏
    كان «بيجو» يعد هذا الأسلوب وسيلة لمراقبة الوضع العام في البلاد، وذلك بجمع المعلوماتعن تحركات المجموعات الثائرة، وعن مصادر تموينهم، كما يسمح هذا الأسلوب بمراقبةالأفراد والجماعات المتعاونة مع المقاومة الشعبية، يقول «بيجو» متحدثاً عن هذهالوسيلة: «إن استعانتنا بهؤلاء الرؤساء أوالعائلات الكبيرة، يعد وسيلة ناجحةلتعيين مواقع الثوار، وبذلك نتمكن من حصارهم والقبض عليهم بكل سهولة، وكذلك هذهالوسيلة تدخل في إطار المحافظة على الأمن، والمحافظة على ازدهار التجارة والتبادلالتجاري...»(37) كانت فرنسا تدفع من أجل تدعيم نفوذه في الجزائر لهؤلاء الأعوانمبالغ مهمة كانت في الغالب تخرجها من ميزانية الدولة.‏
    وقدقدرها «فارني» بمبلغ 21 فرنكاً للرأس الواحد(38)، في حين قدرها «بوديكور» في السنةعلى النحو الآتي: كان الخلفية يتقاضى مرتباً قدره 18.000 فرنك، والباشأغا )المرتبة الأولى) من 8 إلى 10.000 فرنك، والأغا (المرتبة الثانية) 6.000فرنك، أما أصحاب المرتبة الثالثة، فقبضوا 4000 فرنك(39).‏
    أماالقياد والشيوخ فقد كانت الإدارة الفرنسية تدفع لهم قسماً من الضرائب المفروضة علىالسكان، كما كانت لهم حصة من الغرامات، تقدر بـ : 10/3 و10/1 على الغرامات المفروضةأو المقررة على السكان، وكانت لهم مزايا شتى بقدر تعاونهم مع السلطةالاستعمارية(40).‏
    يتبينمما سبق أن فرنسا حاولت أن تهيئ الجو المناسب لإقامة مشروعها الاستيطاني فيالجزائر، ذلك بعد استخدامها وسائل عملية قاسية ضد الجزائريين بقصد إخضاعهم وإنهاكهموإبطال مقاومتهم، وهكذا بعد أن استتب لها الأمر ودعمت ركائزها في البلاد، لم يبقلها سوى البدء في تطبيق مخططاتها الاستعمارية.
    ولكن ومهما يكن من أمر فإنالجزائريين أظهروا استعدادا للدفاع عن بلادهم، ولاسيما بعد أن ازداد الوضع سوءاًمع نهاية حكم الإمبراطورية الثانية، حيث تلاحقت الأزمات، ولم يكن بمقدورهممواجهتها، فكانت ثورة عام 1871 التي عبّرت بصراحة عن حالة الإحباط الشديد الذي كانعليها المجتمع الجزائري.‏
     
    #1
  2. جاري تحميل الصفحة...


  3. عاشقة الجزائر

    • :: عضو مميـز ::
    عاشقة الجزائر
    غير متصل
    عضو منذ: ‏5 يناير 2011
    عدد المشاركات: 2,662
    عدد المعجبين: 50
    الجنس: أنثي
    الوظيفة: سأحبك حيث البحر..والرمل ..والصحراء...سأكتبك رسائل
    مكان الإقامة: قلب الجزائر..جيجل ولا اروع
    لك جزيل الشكر على الموضوع الرائع والذي يعبر عن فترة حاسمة من تاريخ الجزائر المجيد..فرغم الداء والاعداء ظلت الجزائر وردة بيضاء تنشر عطرها عبر كل الأزمان..وستظل واقفة وشامخة..
     
    #2